محمد هادي معرفة
59
التمهيد في علوم القرآن
إنّ حقيقة الإله ليست من تلك الحقائق التي تقبل التعدّد والاشتراك والتماثيل في مفهومها ، كلّا ، فإنّ الذي يقبل ذلك فإنّما هو الكمال الإضافي الناقص ، أمّا الكمال التامّ المطلق - الذي هو معنى الإلهية - فإنّ حقيقته تأبى على العقل أن يقبل فيها المشابهة والاثنينية ، لأنّك مهما حقّقت معنى الإلهية حقّقت تقدّما على كل شيء وإنشاء لكل شيء : فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 1 » وحقّقت سلطانا على كل شيء وعلوّا فوق كل شيء : لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 2 » . فلو ذهبت تفترض اثنين يشتركان في هذه الصفات لتناقضت إذ تجعل كل واحد منهما سابقا ومسبوقا ، ومنشأ ، ومنشأ ، ومستعليا ومستعلى عليه ، أو لأحلت الكمال المطلق إلى كمال مقيّد فيهما ، إذ تجعل كل واحد منهما بالإضافة إلى صاحبه ليس سابقا ولا مستعليا ، فأنّى يكون كل منهما آلها ، وللإله المثل الأعلى ! فكم أفادتنا هذه الكاف من وجوه المعاني كلها كاف شاف ، وهذا من دقة الميزان الذي وضع عليه النظم الحكيم في القرآن الكريم « 3 » . آية القصاص : كانت العرب تعرف ما لهذه اللفظة « القصاص » من مفهوم خاص : ( قتل من عدا على غيره فقتله بغير حق ) . وكانت تعرف ما لهذه العقوبة ( مقابلة المعتدي بمثل ما اعتدى ) من أثر بالغ في ضمان الحياة العامّة . لكنها عندما عمدت إلى وضع قانون يحدّ من جريمة القتل ، ويضمن للناس
--> ( 1 ) الأنعام : 14 ، يوسف : 101 ، إبراهيم : 10 ، فاطر : 1 ، الزمر : 46 ، الشورى : 11 . ( 2 ) الزمر : 63 . ( 3 ) النبأ العظيم : ص 130 .